الشهيد ماهر النجار
قصة الشهيد ماهر النجار
في الذاكرة أسماء لا تمر كغيرها، وأرواح تبقى حاضرة مهما ابتعدت الأيام، لأنها لم تكن مجرد أسماء في سجل الفقد، بل كانت وجوهاً صادقة ارتبطت ببدايات الثورة السورية، وبأولى لحظات الحراك السلمي الذي خرجت فيه كفربطنا، كواحدة من أوائل البلدات التي رفعت صوتها مطالبة بالحرية والكرامة.
ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياء عند ربهم يرزقون.
ومن بين تلك الأسماء النقية، يبرز اسم الشهيد ماهر النجار، الشاب الأصيل، الذي بقيت ذكراه حاضرة في وجدان بلدته، بوصفه أول شهداء كفربطنا في الثورة السورية، وأحد الوجوه الأولى التي كتبت بدمها بداية طريق طويل من التضحية والصبر.
كان ماهر النجار شاباً من أبناء كفربطنا، عرفه من حوله بطيب الخلق، وصفاء القلب، والروح المسالمة. لم يكن صاحب خصومة، ولا رجل مواجهة عنيفة، بل كان شاباً بسيطاً قريباً من الناس، محباً للحياة، يحمل في حضوره هدوءاً صادقاً وابتسامة بقيت في ذاكرة من عرفوه.
لم يكن ماهر يحمل سلاحاً، ولم يكن يسعى إلى أذى أحد. خرج كما خرج أبناء بلدته في بدايات حراك الثورة السورية، معبّراً عن موقفه السلمي، ومطالباً بحقه وحق الناس في الكرامة والحرية. كان يحمل حلماً لا بندقية، وصوتاً لا رصاصة، وإيماناً بأن الكلمة الحرة يمكن أن تفتح باباً لمستقبل أكثر عدلاً.
وفي نيسان من عام 2011، في يوم الجمعة العظيمة، ذلك اليوم الذي يحمل في معناه دلالات الفداء والتضحية، شهدت كفربطنا واحدة من أولى محطات وجعها في الثورة السورية. في ذلك اليوم، خرج ماهر مع رفاق دربه في الحراك السلمي، لكن الرصاص كان ينتظر الأصوات التي طالبت بالحق، وكانت القسوة أشد من أن تترك لذلك المشهد الإنساني فرصة ليكتمل.
أصيب ماهر برصاص قناص تمركز على سطح مجمع الزبلطاني، فسقط شهيداً مع رفيق دربه الشهيد سمير البحش، لتبدأ كفربطنا بتوديع أوائل شهدائها، وليبقى اسم ماهر النجار حاضراً بوصفه أول شهداء البلدة في الثورة السورية. ومنذ تلك اللحظة، لم يعد ذلك اليوم مجرد تاريخ عابر، بل صار علامة مؤلمة في ذاكرة كفربطنا، وبداية صفحة ثقيلة من صفحات الفقد والتضحية.
رحل ماهر النجار جسداً، لكنه بقي أثراً طيباً في قلوب أهله وأصدقائه وأبناء بلدته. بقي اسمه مرتبطاً بالنقاء، والسلمية، والخلق الطيب، وبصورة الشاب الذي خرج مع بدايات الثورة السورية بصوت الحق، فقوبل بالغدر. وبقيت ذكراه شاهدة على أن كفربطنا، منذ أيامها الأولى، لم تكن بعيدة عن طريق الحرية، بل كانت من البلدات التي دفعت ثمن الكلمة مبكراً.
نسأل الله أن يرحم الشهيد ماهر النجار رحمة واسعة، وأن يتقبله في الشهداء، وأن يجعل مقامه في عليين، وأن يربط على قلوب أهله ومحبيه. كما نسأله سبحانه أن يرحم رفيق دربه الشهيد سمير البحش، وأن يجعل ذكراهما خالدة في وجدان الناس، شاهدة على صدق البداية وطهر المسير.