الشهيد معن الخربوطلي

قصة الشهيد معن الخربوطلي

ليست كل الحكايات تبدأ بالكلمات، فبعضها يبدأ من وجع مدينة، ومن بيت فقد عزيزاً، ومن اسم بقي عالقاً في ذاكرة الناس رغم قسوة السنين. هكذا بقي اسم الشهيد معن خربوطلي حاضراً في ذاكرة كفربطنا، لا كرقم في قائمة طويلة من الشهداء، بل كإنسان من أبنائها، كان له مكانه بين أهله وناسه، ثم غيّبه القصف في يوم من أكثر أيام البلدة ألماً.

ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياء عند ربهم يرزقون.

كان معن الخربوطلي من أبناء كفربطنا، تلك المدينة التي عرفت معنى الصبر طويلاً، ودفعت من أرواح أبنائها ثمناً باهظاً خلال سنوات الثورة السورية. كفربطنا التي كانت من أوائل البلدات التي خرجت في حراك الثورة السورية مطالبة بالحرية والكرامة، بقيت تحفظ أسماء أبنائها واحداً واحداً، وتعيدهم إلى الذاكرة كلما حاول الزمن أن يطوي صفحات الوجع.

لم يكن معن اسماً عابراً في خبر، ولا رقماً يضاف إلى حصيلة يوم دامٍ. كان إنساناً له أهل يحبونه، وناس يعرفونه، وذاكرة بقيت تحمل حضوره بعد الرحيل. وحين يُذكر اسمه، تُذكر معه كفربطنا بكل ما عاشته من حصار وقصف وفقد، وبكل ما حمله أهلها من صبر وثبات.

في الخامس من آذار عام 2018، عاشت كفربطنا مجزرة مؤلمة، حين استهدفت قوات النظام الأحياء السكنية بعدة غارات جوية، فارتقى عدد من المدنيين شهداء، ووثق الدفاع المدني في ذلك اليوم ثلاثة وعشرين شهيداً، كان من بينهم الشهيد معن الخربوطلي.

لم تكن تلك الغارات تستهدف حجراً فقط، بل كانت تفتك بالبيوت والقلوب والوجوه التي كانت تملأ شوارع المدينة حياة. وفي ذلك اليوم، ودّعت كفربطنا مع معن الخربوطلي عدداً من أبنائها وأهلها، منهم الشهيد بشار الخربوطلي، والشهيد ماهر شكير، والشهيد عمر عنتر، والشهيد الطبيب أحمد وهبة، والشهيد صبحي البحش، والشهيد محمد رضا شكير، والشهيد عمر حسن، والشهيد أحمد حنانا، والشهيد مازن حلاوة، والشهيد هيثم طعمة، والشهيد سيف الدين عبد الحميد، والشهيد محمد يوسف ريحان، والشهيد وائل جوجو، والشهيد أبو عبدو، والشهيد أبو آدم، والشهيد أبو بهاء من بلدة حزة، والطفل الشهيد مهدي حنانا، والشهيد محمود حنانا، والشهيد خليل حنانا، والشهيد محمد عرفة، ومعهم شهيدان مجهولا الهوية، يعرفهما الله وإن غابت أسماؤهما عن الناس.

كانت مجزرة الخامس من آذار صفحة قاسية في ذاكرة كفربطنا، لكنها بقيت أيضاً شاهدة على أن الشهداء لا يتحولون إلى أرقام مهما كثرت الأسماء. فكل اسم منهم كان حياة كاملة، وكان بيتاً ينتظر، وقلباً يحب، وحكاية لا تختصرها لحظة الرحيل.

رحل معن الخربوطلي في ذلك اليوم، لكن اسمه بقي بين أسماء شهداء كفربطنا الذين تحفظهم الذاكرة بوفاء. بقي جزءاً من حكاية مدينة قاومت النسيان، وحملت أسماء أبنائها في وجدانها، لتقول إن من رحلوا لم يغيبوا، وإن دماءهم بقيت شاهدة على مرحلة من أشد مراحل الثورة السورية ألماً وقسوة.

نسأل الله أن يرحم الشهيد معن الخربوطلي رحمة واسعة، وأن يتقبله في الشهداء، وأن يسكنه فسيح جناته، وأن يربط على قلوب أهله ومحبيه. كما نسأله سبحانه أن يرحم شهداء مجزرة كفربطنا في الخامس من آذار عام 2018 جميعاً، وأن يجعل أسماءهم نوراً في ذاكرة البلدة، وشهادة حق لا يمحوها الزمن.